العلامة المجلسي
201
بحار الأنوار
منه وصدق نيتك في برك وقولك ( 1 ) وأنك لم تؤهل نفسك لما قرفت بطلبه . وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل ، وأمره بإكرامك وتبجيلك ، والانتهاء إلى أمرك ورأيك ، والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك ، وأمير المؤمنين مشتاق إليك ، يحب إحداث العهد بك ، والنظر إلى وجهك . فان نشطت لزيارته والمقام قبله ، ما أحببت ، شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ، ترحل إذا شئت ، وتنزل إذا شئت وتسير كيف شئت ، فان أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحيلك ، يسيرون بمسيرك ، فالامر في ذلك إليك ، وقد تقدمنا إليه بطاعتك . فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلة ولا أحمد له أثرة ولا هو لهم أنظر ، وعليهم أشفق ، وبهم أبر ، وإليهم أسكن منه إليك ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . وكتب إبراهيم بن العباس ( 2 ) في جمادى الأخرى سنة ثلاث وأربعين ومائتين . فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن عليه السلام تجهز للرحيل ( 3 ) وخرج معه
--> ( 1 ) في الكافي : " في ترك محاولته " . ( 2 ) رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 501 ، وهنا ينتهى لفظه ، والسند فيه هكذا : محمد بن يحيى ، عن بعض أصحابنا ، قال : أخذت نسخة كتاب المتوكل إلى أبي الحسن الثالث " ع " من يحيى بن هرثمة في سنة ثلاث وأربعين ومائتين ، وهذه نسخته ! الخ . ( 3 ) قال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 202 : قال علماء السير : وإنما أشخصه المتوكل من مدينة رسول الله إلى بغداد ، لان المتوكل كان يبغض عليا وذريته ، فبلغه مقام على بالمدينة ، وميل الناس إليه ، فخاف منه ، فدعا يحيى بن هرثمة وقال : اذهب إلى المدينة ، وانظر في حاله وأشخصه إلينا . قال يحيى : فذهبت إلى المدينة ، فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما ما سمع الناس بمثله خوفا على على - عليه السلام - وقامت الدنيا عليه ساق ، لأنه كان محسنا إليهم ملازما للمسجد ، لم يكن عنده ميل إلى الدنيا . قال يحيى : فجعلت أسكنهم وأحلف لهم : أنى لم أؤمر فيه بمكروه ، وأنه لا بأس عليه ثم فتشت منزله ، فلم أجد فيه الا مصاحف وأدعية وكتب العلم ، فعظم في عيني وتوليت خدمته بنفسي ، وأحسنت عشرته . فلما قدمت به بغداد بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري - وكان واليا على بغداد - فقال لي : يا يحيى ! ان هذا لرجل قد ولده رسول الله ، والمتوكل من تعلم ، فان حرضته عليه قتله . وكان رسول الله خصمك يوم القيامة ، فقلت له : والله ما وقفت منه الأعلى كل أمر جميل . ثم صرت به إلى سر من رأى فبدأت بوصيف التركي فأخبرته بوصوله ، فقال : والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها الا سواك ، فتعجبت كيف وافق قوله قول إسحاق . فلما دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته وانى فتشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف وكتب العلم ، وان أهل المدينة خافوا عليه . فأكرمه المتوكل ، وأحسن جائزته ، وأجزل بره ، وأنزله معه سر من رأى .